كتاب و آراء

سيكولوجية الاستغراق في الفشل بقلم ذ. عبد الرحمان بوفدام

 

كان يجري الحديث في الماضي عن أحزمة البؤس التي تحيط بالمدن (أحياء/مدن الصفيح)، باعتبار الخطر الذي ينبع منها والذي تشكله مظاهر الجريمة والمخدرات والدعارة، والذي يهدد تحضر واستقرار” المدن الكبرى. فالحاجة والعوز والفقر، كلها عوامل تدفع بجحافل المحرومين نحو إقلاق راحة المحظوظين ولو بهذه السلوكات الانحرافية كآخر سلاح للمجابهة والتعبير عن الوجود. اليوم، ومع تنامي ظاهرة الفقر المرتبطة ليس فقط بالوضعية المادية للمواطنين بقدر ارتباطها بظاهرة “الزيادات الصاروخية” التي ألحقت نسبة مهمة من المنتمين الى الطبقة الوسطى بفئة “ما دون خط الفقر”.. صار الحديث عن مدن بئيسة بأكملها.. في أفق الحديثِ عن وطنٍ بئيس. والوقع أننا بصدد تحول درامي في الحياة الانسانية عامة يقتضي إعادة طرح السؤال عن مفهوم “الدولة” سيما في ظل الاغتراب النفسي الذي تولّد في ضوء الوضعيات الجديدة. والسؤال كذلك عن مدى “مشروعية” العقد الذي يربط المواطن بالدولة في ظل تنصل هذه الأخيرة عن الايفاء ببنود الاتفاق الحامية لكرامة الكيان وحفاظه على انسانيته وقدرته على تقرير مصيره، علاوة على التمتع بحقوق الانتماء والاستفادة من ثروات الوطن التي هي ملك للجميع.
هذا التدهور الخطير الذي يضرب التوازن النفسي للمواطنين بات يحتم علينا وقفاتٍ جادة بخصوص “المسؤولية” الملقاة على عاتق الدولة في هذا الاتجاه، كما باتت الحاجة ملحة أمام المثقفين للخروج إلى ساحة الحوار والنقاش عملا بمبدأ “risk being seen/ تجرأ على الظهور” (الذي قال به الكوميدي الأمريكي الشهير جيم كاري) عوض إخلاء الساحة أمام “الاعلام الموجه” لخوض معركة من طرف واحد وجر الرأي العام نحو “سرير الموت الرحيم” الذي ترعاه أنظمة الاستبداد بمساندة أدوات العولمة. لا بد لهؤلاء الشباب الذين يرقصون في منصات التواصل الاجتماعي معبرين في ذلك عن حالة “الاستغراق في الفشل”، أن يصطدموا بأسئلة حارقة تعيدُ إليهم بعض السلامة الذهنية وتزيح عن أعينهم غشاء الاستهلاك والتفاهة وتدفعهم من ثمة نحو تبني أفكار خاصة وخطط ثقافية وبرامج مواطنة حقيقية تساعدهم على الانخراط الفعال والمنتج في مجتمعاتنا الفاقدة للقيادة والقدوة. لا بد لهؤلاء الشباب من منصات ثقافية جادة تحل محل منصات “الخدر والكوما الجماعية” التي تستحوذ راهنا على مصير الوطن وتحكم زمام السيطرة على “قمرة التحكم” دافعة مصير الدولة الى مزيد من الضبابية والغموض. لا بد لهذه الحناجر التي تحرق طاقاتها على مدرجات كرة القدم أن توجه هذا الرصيد من الصراخ نحو القضايا الكبرى التي تمس معاشهم اليومي وتهدد استقرارهم المادي والنفسي. لا بد لهذا المجهود الخرافي الذي يبدله الشباب في الاعداد للمباريات أن يذهب في اتجاهه الصحيح، مؤطرين في ذلك من طرف القيادة العلمية والفكرية والثقافية التي تنام -مكرهة- في إطار الرهبنة الجديدة التي تتحدث عنها الأدبيات الفكرية، في محاولة لانعاش روح الوطن/المواطنة التي تلفظ الآن آخر أنفاسها على قارعة الإهمال والايهام..
وتبعا لذلك، فلسنا بحاجة إلى “قطار فائق السرعة” بقدرما نحن بحاجة ماسة إلى “تعليم فائق الجودة”ينقد هذه الجحافل من ظلمات الجاهلية الجديدة التي ترعاها العولمة ويحضنها الاستبداد، وينقد المدارس المغربية من “الفوضى المستشرية” في جل أركانها مما حولها إلى ساحةٍ لطرح “النفايات الاستهلاكية” من أفكار وعادات نفذت إلى هياكل الأفراد عن طريقِ السباحة في مياه التقنية “العكرة”.
من كان يتصور مثلا أن تتفسخ أخلاق الشباب بهذه السرعة المفرطة؟ ومن كان يتصور كذلك أن تدخل المؤسسات التعليمية في دوامة من تردي المنظومة القيمية بوتيرة متسارعة تسير بالمجتمع برمته إلى هاوية الضياع والهزيمة؟ من كان يتصور أن التقنية التي أنتجها الانسانُ لتعينه على الانتصار على الطبيعة وتسهيل حياته عليها، ستنقلب عليه هذا الانقلاب الشامل وتردّه إلى كائنٍ فارغٍ من كل ذكاء وحضور ذهني وعاطفة انسانية؟ من كان يتصور أن يكون الواقع الافتراضي (المفتوح على كل الاحتمالات) مرجعا وتكون المدرسة والبيت فضاء لتصريفِ وتنفيذ بنودِ هذا المرجع، وحينَ ينتصب الفشل ليفصح عن نفسه فإن أسبابه تعزى إلى المدرسة والأسرة اللتين لم تمتثلا للقوانينِ التي قضاها المرجع (العالم الافتراضي) لكونها أخفقت في مسايرته والاستجابة لحاجاته الملحة المتزايدة باستمرار. فتهبّ القوى المتواطئة والظواهر الكلامية لتسقط اللوم على “الأستاذ” لأنه لم يحترم “حق التلميذ في إبداء الرأي وبناء المعرفة” وهم جاهلونَ لحقيقة ما يروج داخل فصول الدراسة (مما لا يعرفه إلا الذين يواجهونَ شطحاته بما تبقى من أعصابهم المحروقة) من سلوكات تؤشر على “أفول المدرسة العمومية المحتوم”. وإذا استمر الوضع هكذا لسنينَ أخرى دون تدخل حقيقي يترجم الإرادة الحقيقية للتغيير، فلن ينتج عن هذه الأسباب إلا نتائج كارثية تنذر بسقوط وشيكٍ سيأتي على أخضر هذا الوطن ويابسه ولن تسطيع أي قوة مهما كانت شدتها وصلابتها أن تقف في وجه الحطام الذي سيحدثه هذا السقوط.

كتبه عبد الرحمان بوفدام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى