سلايدر

سيرة ذاتية عن ما قبل الحرب

لم يسعني في الاخير الا استخراج لوحة كانت تقبع بين لوحات اخرى منذ زمن طويل بين المنسيات والمهملات التي غطتها طبقات ” كثيفة من الغبار ،حتى لم يعد يظهر ما تحمله من صور ومناظر طواها الزمن،وأكل عليها الدهر وشرب .
كان هدا من مدخل الرواية التي الفها الكاتب وهي في الحقيقة سيرة تاريخية تأرخ لما بعد الحرب العالمية الثانية خلال الاربعينات حتى بزوغ فجر الاستقلال ،لكن هده السيرة التاريخية التي تأرخ لمراحل دقيقة من فترة تمتد لاكتر من نصف قرن بالمغرب تعتبر في الحقيقة مرجعا هاما للعمل الوطني ،مما جعل المندوبية السامية للمقاومة وجيس التحرير تسارع الى طبعها افادة للقراء واغناء للمكتبة الوطنية بالمغرب ونحن كجريدة الوسط بادرنا كذلك لنشر هدا الاستقراء لاقادة القارئ كدلك ،لن ننشر كل الرواية بل سنعمل على نشر فقرات نراها جد هامة …رغم ان كل فصولها وفقراتها تعتبر هامة وننتقل بكم الان الى الضربة العسكرية الاولى التي دونها الكاتب الوطني والمؤرخ احمد شفيق :
كانت الطائرات تحلق في السماء ، تبتعد وتغيب عن الانظار ،تم تعود الى مطارها ،وتقلع ثانية وتذهب بعيدا الى حيث لا نعلم ..
لم نكن ،منذ الامس ،على علم بما يحدت خارج البيت ،الكلمة الوحيدة التي كانت تتردد فوق الاسطح : الحرب…! الحرب…!كلمة لم اسمعها من قبل ولا كنت ادرك لها معنى .
صراع بين فرنسا المحتلة وامريكا الغازية على ارض المغرب
،” الجيش الفرنسي المحتل للمغرب يحاول منع الامريكان من الدخول عبر المحيط الى المدينة ….والامريكان يهاجمون ..انها الحرب بؤن الفرنسيين والامريكان
قبل ان ينتقل بنا الكاتب الى وصف الحرب طبقا لسنه الصغير انذاك خلال الاربعينات يضعنا في سياق الرواية امام صورة وضع والدته لمولودها ودور القابلة ووالده ..والققيه ..تم يكتب عن الحرب ومحيطها …
انها الحرب هذه الكلمة التي ما كنت ادري معناها بالضبط ….لكني شخصيا كنت اتسلى بها في الايام الموالية عندما اصعد الى سطح البيت رفقة خالتي “وبوبي ”
لا يفارقني ،كما كنت اتسلى بمشاهدة اسراب الطائرات في الجو .بعضها يطارد البعض ،وأحيانا نرى احداها تجر ورائها دخانا كثيفا قبل ان تشتعل بها النيران ،ويقال انها سقطت بالاراضي الفلاحية المحيطة بالمدينة …!
وفي وصف الكتاب لاجواء الحرب البحربة بين فرنسا وامريكا على سواحل الدار البيضاء يكتب عن السفينة الحربية الضخمة جان بار ويقول :
تلك السفينة الحربية الضخمة جان يار jean Bart مفخرة البحرية الفرنسية التي هربت ،ومعها بواخر حربية اخرى ،الى المغرب كي لا تلحقها اضرار من طرف الغواصات الالمانية التي كانت تجوب المحيط الاطلسي …
بعد تمكن الامريكان من دخول التراب المغربي عبر الانزال البحري يقدم لنا الكاتب احمد شفيق صورة ناطقة عن ذلك،فيما يلي /
بعدما هدأت الاحوال واصبحنا نشاهد اناسا غرباء في زي عسكرى ،لا يشبه ذلك الدي يرتاده الجنود الفرنسيون الدين تعودنا على رؤيتهم بالثكنات القريبة من حينا ،قبالة درب الكبير …
هؤلاء الغربا، يتحدتون لغة لا علاقة لها باللغة القرنسية آلتي يفهما سكان المدن مت المغاربة ،كانوا يتميزون عن الجنود الفرنسيين بروحهم المرحة وبحركات ايديهم الكثيرة ،وبمداعبتهم للاطفال وابتسامات وجوههم للكبار،يوزعون الشكلاطة وشى اسمه شوايتكوم لم نكن نغرفه من قبل ،يشبه العلك الدي كنا نقتنيه من عند العطار ( المسكة البلدية ) لكنه محلى بالسكر.
هؤلاء الغربا، هم الامريكان الذين أصبحوا يجوبون أزقة المدينة ودروبها .بالاحيا، الشعبية الاوروبية،على متن سياراتهم العسكرية ودبابتهم المصفحة .مدججين بأسلحة خفيفة وثقيلة وقد سمعت الوالد والجيران يقولون بأن وحدات الجيش الفرنسي أجبرت على ملازمة ثكناتها …وبعد هدا الوضع الهادئ للجيوش الامريكية والفرنسية ينتقل بنا الكاتب الى الضربات الجوية الاولى انها الحرب تستيقظ من جديد ويكتب :
لقد بدأت الاخيار تتسرب حيث تسبب القصف في هدم عدد من البيوت بدرب الطلبة الواقع قرب ملتقى طريق مديونة وشارع السويسي (شارع محمد السادس وشارع الفدء حاليا )نجم عنه استشهاد العشرات ،واصابة المئات بجروح متفاوتة الخطورة وكلهم،من المغاربة .
قامت بالهجوم الجوي ،ونفذته طائرة المانية ذات اربع محركات اقلعت من مدينة تولوز الفرنسية المحتلة من طرف النازيين ،مستهدفة القوات الامريكية المتمركزة بالدار البيضاء،وذلك ليلة 30 و 31دجنبر1942…
عم الخوف والهلع الساكنة المفربية للمدينة ،بعد الحادت فاكتضت محطات القطار والحافلات بالراغبين في الهروب من المدينة واللجوء الى البوادي لمن،لهم أقارب بها ،أو ألى المدن الداخلية بعيدا عن الشاطئية التي أنزلت بها القوات الأمريكية .
كنا من بين الفارين من الدار تلبيضاء….بينما نحن نغادرها على متن الحافلة ،كنا نشاهد على جنبات الطريق عائلات بأكملها تنزح بدورها خا ح المدينة مشيا على الأقدام …خلف عربات محرورة بالبهائم ،يحملون عليها ما خف حمله من متاع ،وكان يزعجنا صوت محركات الطائرات التي تقلع من المطار ،وهي أسراب من الطائرات الحربية التي نجهل وجهتها….
هدوء الاوضاع
بعد أن هدأت الاوضاع واستسلم الجيش الفرنسي ( وكان مواليا ساعتها لحكومة “الماريشال بيتان Petain”نفسه ووضع سلاحه أمام الجيش،الأمريكي ،وكان بيتان قد استسلم من قبل للقوات النازية الألمانية وأصبح متعاونا معها ،وبالتبعية كان المقيم العام الفرنسي،الجنرال نوغيس خاضعا ومواليا لرئيس الحكومة الفرنسي ، لذلك وقف في البدايةامام وجه القوات الامريكية التي انزلت بالمغرب ،في طريقها الى تونس ، ومن هناك الى جنوب ايطاليا ،حليفة ألمانيا النازية.
وعن الاجواء الشعبية المغربية العامة التى سادت ذلك الزمان يضعنا الكاتب احمد شفيق في جو شعبي وساحري تختلط فيه العادات الدخيلة على الشعب المغربي والموسيقى الشعبية المقاومة التي كان لها كذلك دورا في الحركة الوطنية ويكتب كاتبنا شفيق ما يلي :
باستتناء الشكلاطة لم يعرف المغاربة المأكولات الخفيفة ،وقد سجل الواقع المغربي بعد دخول الامريكان …وما صاحبه من تغيرات على المستوى الاجتماعي بصفة خاصة الفنان الشعبي المرحوم الحسين السلاوي في أغنية العين الزرقا والميريكان ويقول فيها :
أي باي باي على هذا الزمان وشنو سرا
دخلت الميريكان،الناس تقوات والنسا علينا جاروا
حتى من العزبات زالوا النقاب وعلى الشوينكوم سارو
المجوجات دارو السباب وعلى رجالهم غابو
الزين والعين الزرقة جانا بكل خير
اليوم يمشوا بالفرقة بناتنا في خير
شحال من هي معشوقة دارو ليها الشان
هذا الميريكان
ما تسمع غير ” اوكي ،أوكي هدا ما كان ..
المغرب بعيدا عن اجواء الحرب العالمية الثانية
يقول الكاتب ان المغرب اصبح بعيظا عن اجواء الحرب بعد تدخل القوات الامريكية
بكثافة في المغرب وتونس والجزائر ،معززة بفيالق فرنسية ،جل مكوناتها من الجنود المغاربة ،لذلك ابعد عن هذه الدول الثلاث شبح الحرب ،خصوصا المغرب البعيد عما يدور في جحيمها بليبيا ،فاصبح المغاربة اخبار المعارك الضارية التي تدور رحاها بالقارة الاوروبية بين دول المحور بقيادة ألمانيا ،وبين جيوش الحلفاء بقيادة امريكا .

ظلم الفرنسيين وطغيانهم
عبر والد الكاتب شفيق بكل حرقة عن ظلم الفرنسيين للمغاربة حين اتى حزينا وباكيا للبيت امام زوجته وابناءه وهو الرجل الدي كان لت يعرف البماء مطلقا وتلك صورة حزينة ضمن مداخل الرواية التي تقودنا دائما لتأريخ احظات التاريخ الوطني وتاريخ المقاومة بالمغرب ويكتب شفيق عن لسان والده رحمه الله ما يلي :
الويل كل الويل للمستعمر الفرنسي الجبار ،لقد طغى الظالم ،ولم يعد يعير للمواطن المغربي أي اعتبار ،انه يحسب المغاربة كالبهائم ،لا كرامة لهم بل لا يحسبهم بشرا ينتمون للانسانية …
وحين سأل الولد شفيق والده وما علاقته هو بالمستعمر الفرنسي اجاب
المنظر والمشهد الدي رأيته اليوم هو السبب ! بينما انا عائد الى البيت بكريق مديونة ،ما شاهدته جعل قلبي يتقطع الما وحزنا ،منظر لم يسبق لي ان رأيتهد متله من قبل ،رجال من خيرت رجال البلاد ،منهم شباب وكهول وحتى بعض من الشيوخ ،يتبين من مظهرهم الخارجي انهم من الطبقة النيرة المتعلمة ، يساقون كالبهاىم مكبلين بالسلاسل من طرف جنود فرنسيين ،يرغمونهم على المشي على اقدامهم حفاة بينما الجنود يركبون الجياد،واذا تباطأ احدهم من شظة الاعياء انهالوا عليه بالسياط او يدفعونه بأعقاب بنادقهم ،والويل كل الويل لمن تعتر منهم او سقط أرضا من الشيوخ ،فان السوط ينزل عليه دون شفقودة أو رحمة ،كان الجنود الفرنسيين يمعنون في تعذيب السجناء على مرأى ومسمع من المارة من المغاربة ليظهروا قسوتهم
واظاف والد الكاتب رحمه الله :
يريدون النيل من كرامة المغاربة أولا ،وثانيا ارهاب أفراد الشعب المغربي ليعلم ان من يرفع رأسه منهم سيكون ذلك مصيره ،لقد أخرجوهم من سحن “أغبيلة ” ويريدون نقلهم الى سحن ” العادر” قرب الجديدة ، وسجن علي مومن قرب سطات ،وبدل نقلهم بالشاحنات او الحافلات ،فانهم قامو ا باستعراضهم على جمهور المواطنين قبل التوجه بهم الى الثكنة العسكرية ،ومن هناك الى سجنهم الجديد
انتهت الحلقة التانية وخلال الحلقة التالتة سنستعرض الفصل التاني من الكتاب من خلال الواضيع الاتية :
قمة مؤتمر انفا بالدار البيضاء يانير 1943
تحرر فرنسا واستلام دوكول الرأسة
بداية النشاط السياسي بمدارس حزب الاستقلال
تحرر امير الريف عبد الكريم الخطابي واستقراره بمصر
الشرارة الاولى للمقاومة المغربية بعد اغتيال الشهيد فرحات حشاد
مواجهتي الاولى مع الامن الفرنسي بعد دعوتي للاضراب بين الطلاب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى